أسرة ومجتمع

صبحة بغورة تكتب: الثقة.. شعور ناضج أم سلوك واعي؟!

مصطلح “أزمة الثقة” قديم قدم البشرية، أي منذ قيام قابيل بقتل هابيل في غفلة منه؛ ومن حينها فرضت مسألة الثقة نفسها بين البشر والشعوب والأمم.. وحتى بين الإنسان والحيوان.

الثقة في حد ذاتها مصطلح عام وشامل، وتتعدد أشكالها ومجالاتها من الثقة بالنفس والثقة بين أفراد الأسرة الواحدة، والثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين القائد وجنوده، والزوج وزوجته، والبائع والمشتري، وبين المريض والطبيب.. حتى بين الحلاق الماسك بالموس والزبون، بمعنى أنه يفترض بداية للحديث عن الثقة وجود طرفين حتى يمكننا الحكم على وجود ثقة متبادلة أو لا توجد، وانعدام الثقة يعني شيوع القلق والتوجس والتوتر والشك والريبة والميل إلى عدم الاقتناع وتوقع حدوث الشر من الآخرين.

الحديث عن مسألة الثقة بين الناس يمتد من ما بين الزوج وزوجته إلى ما بين الشعب وحكومته، وهو ما يجعلها عامة وشاملة لاتساع مجالها، وتعود أهمية التطرق إليها لكونها مصدر لنعيم الأسرة وسعادتها وهدوئها حتى تقدم للمجتمع الجيل الصالح النافع لوطنه الذي يشيع الفضائل ويحتوي القنوط واليأس، ويبحث عن العلاج للمشاكل والحلول للأزمات.

صبحة بغورة
صبحة بغورة

ــ عدم الثقة..أزمة أم مرض؟

عدم وجود الثقة بين طرفين لا يمثل في حد ذاته مشكلة لهما طالما لم توضع هذه الثقة على المحك، ولكنها تبقى مرادفا لإمكانية تسلل الشك والتوجس إلى نفسيهما، وسيطرة مختلف البواعث على التوتر بينهما، وبقاء عوامل هدم العلاقة بين الزوجين على وجه الخصوص قائمة.

وفي حالة التأكد من عدم توافر الثقة، سينتج عنها بعض المشكلات النفسية الحساسة والشائكة التي ترهق الفرد بالتوتر في السلوك والقلق النفسي والوهم، وتثقل كاهل المجتمع بالمخاوف المرضية التي تعد من المؤشرات الدالة على أو المؤدية إلى نشوء حالة شعور بالخطر تضعه في وضع ظرف طارئ يمكن أن يزول بزوال مصدر الخطر أو الشك.

وتشير سمة القلق إلى استجابات ثابتة نسبيًا تميز شخصية الفرد، إلا أن القلق المثار لدى الطالب مثلا قبل الامتحان أو لدى الفنان قبل مواجهة الجمهور على المسرح، أقرب إلى أن يكون مرتبطا أكثر بشخصية الفرد من مثيرات الموقف، وعادة ما يكون ضعف الثقة بالنفس سببًا لمعاناة الشخص من وجود أزمة ثقة من الآخرين، ومعاناته من مشاكل مالية أو صحية أو جنسية أو نفسية او مهنية، أو بسبب تجارب سابقة غير سوية شكلت شخصية شكاكة، قلقة وغير مستقرة.

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: غيرة الرجل من نجاح زوجته.. ضعف شخصية أم عدم ثقة؟!

وبالانتقال إلى أزمة الثقة بين الزوجين، يوجد العديد من الأسباب البيئية والاجتماعية والتعليمية التي تؤدي إلى بروز أزمة الشك بين الزوجين، منها طبيعة التنشئة التي قد تنمي في الشخص مشاعر القلق والاضطراب وعدم الشفافية، واللجوء إلى الكذب والسلوك الملتوي لتفادي المؤاخذة وتجنب العقاب.

ــ هل عدم الثقة سلوك نابع من الشعور، أم شعور يغذيه السلوك؟

كثير ما يعتبر البعض أن اللجوء إلى عدم الصراحة والوضوح سواء بالصمت أو بالحذف من قبيل عدم الشفافية ليس أكثر، ولكنه قد يتطور إلى ارتكاب المغالطات بمخالفة الحقائق علنية، أي الكذب الذي يعد من العوامل التي تساعد على تشكيل أزمة في الثقة.

كثرة الكذب في الأمور الصغيرة والتافهة أو غير الهامة، تخلق حالة من الشك خاصة بين الزوجين أو الشركاء في العمل، وعليه؛ عدم الثقة قد تتشكل في النفس من المرور بتجربة سلوكية غير سوية لم تتمتع بالمصداقية ومن عدم الحوار الهادئ والنقاش الهادف والمثمر بين الزوجين، ومن عدم إجادة عرض المشاكل في صور مبسطة أو من ضعف مهارة مناقشتها بروية وحكمة، وصولًا إلى الحل المناسب والمفيد للطرفين.

وفي المقابل، فالثقة المتبادلة تكتسب من العديد من المواقف وأولها الحوار والشفافية والبعد عن الكذب، وتوجيه السلوك نحو القيام بالأعمال المشتركة التي تخدم الأسرة والأبناء، والابتعاد عن التأثر السلبي بوسائل الإعلام والمشاهد التي تبرز مظاهر الخيانة والشك في الأفلام وتجنب أصدقاء أو صديقات السوء وكل ما يضعف الوازع الديني والأخلاقي.

إن تنمية الثقة المتبادلة، هي استثمار لرغبات صادقة تعكس مشاعر مخلصة في تعزيز التفاؤل والود من خلال دقة اختيار الموضوعات والمواقف التي تكسر حواجز الغم والأسى التي تعيق المسيرة، والأهم أن يتذكر الشخص أولًا أن ثقته بنفسه وفي حديثه تنبع من داخله وأنه ينطق بلسانه هو ليعبر عن مكنوناته بكل قوة وثبات من لا يخاف قول الحقيقة، ويدرك أن الثقة جوهرة من الجواهر التي يدوم شعاعها ويظل وهاجًا داخل الذات، وينطلق من أغوار النفس؛ ليضيء ما حولها ويبعث الدفء والحيوية والأمان.

ويعي الشخص أنه عندما يبخل عن أن يقدم للعالم شيئا يمكنه تقديمه وعندما يخفي مواهبه فإن ذلك عكس الثقة بالذات، وأن الاقتصار أو الاكتفاء بأداء الأدوار المتواضعة لا يخدم من حولنا وليس هناك أي ذرة من الحكمة في الانكماش الذي يشعر الناس من حوله بالقلق وعدم الأمان في وجوده.

الثقة هي مكمن الذات الذي تنبع منه المظاهر التي تحدد هوية الشخص الذهنية والنفسية، وتحدد مستويات نمط نظامه السلوكي وأدائه المهني وحضوره الاجتماعي ونضجه العاطفي.

إن أسلوب التفكير يعد بمثابة حجر الأساس الذي ترتكز عليه الثقة، فإذا كان الشخص يتبع أسلوب تفكير سلبي؛ فالمرجح أن يكون لديه قدر متدن من تقدير الذات، وهذا ما سيؤثر على مستويات الثقة بنفسه، فالقلق مثلا شكل من أشكال التفكير السلبي الذي يعيق المرء عن تحقيق ما يرغب فيه.

ومن المؤكد، أن أهم المكونات لبناء الثقة هو القدرة على ضبط التعامل مع الانفعالات بطريقة هادفة تمكن الشخص من حل المشاكل بسرعة على نحو قد يبدو للآخرين أنه يصنع حظه، وانه كلما ازداد مثابرة أصبح أكثر حظًا، وكذلك الدفاع عن ما يؤمن به ولكن بطريقة لا تنفر الآخرين، أي أن يكون الشخص حازما في مواقفه وحاسما في قراراته، ولكن في غير شدة، بل بطريقة لطيفة في معظم الأحوال، لأنها في حد ذاتها مهارة أساسية من مهارات بناء ثقته في نفسه التي تمكنه من التقدم في حياته بخطوات واثقة وجريئة وشجاعة.

الثقة

عندما يخصص الشخص وقتا يخلو فيه بنفسه، سيكتسب إحساسا بقيمة ذاته عبر رحلة استيطان جميل للذات مع الحياة والارتباط بها وقبولها، بمعنى تقبل أنفسنا بكل ما فيها من تعقيدات، والتقييم الدقيق لها وتشخيصها والتعرف على إمكانياتها وقدراتها الحقيقية وفرصها العملية في التغيير، وفي ممارسة اهتماماته دون تجاهل اهتمامات الآخرين.

هذا الإحساس، جزء مهم من أجزاء تكوين الشخصية المستقلة التي هي عنصر مهم من عناصر بناء الثقة؛ لذا فمن أبجديات التربية سواء في البيت أو المدرسة والمؤسسات المهتمة بتنمية الموارد البشرية، زرع الثقة بالنفس، ومجالات ذلك كثيرة، منها، المدارس والأندية الرياضية والكشفية والمؤسسات العسكرية التي تمرر كيفيات تعزيز الشعور بقيمة الذات وأهمية الاعتماد على النفس وتدريب من وهنت نفسه وتزلزلت أركان شخصيته على مواجهة صعوبات العيش، وتأهيله لشق طريقه في الحياة بدون أن تنكمش الإرادة أو تهتز القناعة بالثوابت الإنسانية، بمعنى تنمية القدرة على استخدام ما هو معروف للحصول على النتائج المرغوبة في الحياة دون القلق من قبول أو عدم قبول الآخرين لها.

والثقة بالنفس فضيلة، لأنها نموذج للتعلم وتطوير الذات وفتح آفاق السعادة، لذلك فالثقة بالنفس تعني الاعتماد المؤكد على جوهر وقوة الشخصية لتجاوز الظروف الانفعالية والأوقات الصعبة التي يمكن أن تكون مدعاة للشعور بالضياع والحزن والخوف عند البعض.

ما أجمل إذا كان لدى كل منا “ناقد داخلي” ـ الضمير، وأيضًا “مشجع داخلي” يدعم ويثني على النفس داخل العقل، فالمؤكد حاليًا أنه لبداية غرس قدر كبير من الثقة بالنفس، على كل فرد أن يتوجه أولًا لداخل نفسه لاستحضار قدراته سريعا في حالات الشعور بالحيرة في القيام باتخاذ قرار هام أو بالعجز في تعيين اختيار محدد، وذلك دون الحط قدر مواهبه ودون سماحه بتسلل هواجس تدمير الذات أو خشيته من ما سوف يكتشف.

الثقة عموما ليست حالة ثابتة، هي سمة القلب والعقل يمكن اكتسابها وتنميتها وتبادلها مع الآخرين، وهي قد تزيد أو تتناقص تبعا لنوعية التحديات التي شكلتها والظروف التي حددتها، والمهم أنها لدى كل فرد يمكن أن تبدأ من حيثما يكون وكيفما يكون، والمرء في رحلة حياته لا يحتاج أي شيء معه سوى ذاته كاملة.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: أفكار لإقامة حفل زفاف ربيعي مميز في شهر مارس

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق