تعد مقبرة “أمنا حواء” في مدينة جدة، التي تقع في المنطقة الفاصلة بين حي العمارية وحي البغدادية، أقدم مقابر المدينة على الإطلاق وواحدة من أكثرها إثارة للجدل. لقد اختلفت الروايات التاريخية حول هذه المقبرة، لكن الشائع والمُتجذّر هو الاعتقاد السائد بأنها تحمل رفات حواء أم البشر، ومن هنا اكتسبت اسمها المعروف.
الجدل حول التسمية والأصل
بحسب “rattibha”تاريخياً، كانت المقبرة تقع عند نهاية سور جدة القديمة، وبقيت على حالها بعد إزالة السور، وكانت مبنية بالحجر المنقبي، وهو نفس الحجر الذي شيدت به بيوت جدة القديمة. رغم التجديدات التي طرأت على سورها الخارجي وتغطيته بالرخام مؤخراً، لا يزال الغموض يكتنف سبب تسميتها.
لا يوجد أي دليل مادي قاطع أو تأكيد من قبل سكان جدة القدامى على أن التسمية تعود فعلاً إلى حواء أم البشر. غير أن إجماع كبار السن على أنهم سمعوا ممن سبقوهم أن هذا “قبر أمنا حواء” يجعل هذا الاعتقاد متوارثاً. يجمع هؤلاء على أن المقبرة قديمة جداً، وقد تكون أقدم من مدينة جدة نفسها، ولا يعرف أحد بالضبط تاريخ إنشائها.

حواء بين الروايات التاريخية
اشتق اسم “جدة” نفسه في بعض الروايات من وجود قبر حواء أم البشر فيها. وقد ذكر المؤرخون الأوائل مثل الطبري في “تاريخ الطبري”، وابن جبير، والهمداني، في روايات متقاربة، أن حواء أهبطت بجدة من أرض مكة المكرمة، بينما هبط آدم عليه السلام في الهند، ثم جاء في طلبها حتى التقيا.
يذكر الطبري رواية عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه تفيد بأن حواء هبطت بجدة. كما أن أكثر الروايات اتفقت على هبوطها في جدة، وإن اختلفت في تحديد موضع قبرها. وذهب بعض المؤرخين إلى أن موضع المقبرة الحالي كان في الأصل هيكلاً عبدته قبيلة قضاعة قبل الإسلام، وأقيم القبر مكانه بعد ذلك.

القبة وقصص الرحالة
توالت إشارات الرحالة والمؤرخين إلى وجود معلم يميز القبر. فقد ذكر ابن جبير في القرن السادس الهجري أنه رأى في جدة موضعاً فيه قبة مشيدة قديمة يقال إنه كان منزلاً لحواء. وأشار ابن بطوطة أيضاً إلى وجود هذه القبة خلال رحلته في القرن السابع الهجري، كما أشار الرحالة التركي أوليا جلبي في رحلته عام 1082هـ إلى وجود “قبة صغيرة” بسيطة وغير مزينة على المكان الذي ترقد فيه حواء، محاطة بالحصى ناحية الرأس والقدمين.
وقد أسهم قيام بعض الرحالة والمؤرخين بإعطاء مقاسات تقريبية لطول القبر الذي كان موجوداً في المقبرة، ووضع رسوم تخطيطية له في بعض الكتب، في ترسيخ الاعتقاد الشعبي بوجود قبر حواء فيه، مما زاد من شهرة المقبرة عالمياً. وقد أكدت جميع المراجع، كما أوضح الأستاذ محمد يوسف طرابلسي مؤلف كتاب “جدة حكاية مدنية”، على اتفاق المؤرخين على هبوط حواء في جدة واختلافهم حول مكان دفنها.
قرار الإزالة وتصحيح المعتقدات
نتيجة للاعتقاد السائد بأن القبة تقع فوق قبر أمنا حواء، تحول الموقع إلى مزار يرتاده العديد من الأهالي والحجاج للزيارة والتبرك، خاصة حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري.
وفي محاولة لتصحيح المعتقدات الدينية ومحاربة الجهل والبدع التي تتعارض مع الدين الإسلامي، أمر الملك عبدالعزيز آل سعود (يرحمه الله) بهدم وإزالة ذلك القبر والقبة، بهدف تخليص الناس من الخزعبلات والجهل الذي كان يمارسه البسطاء آنذاك. ورغم إزالة القبر والقبة، ظل السور الخارجي المحيط بالمقبرة قائماً، وتم تجديده لاحقاً، ولا تزال المقبرة قائمة وتستمر في استقبال الموتى حتى يومنا هذا.
استمرارية الشهرة والزيارة
على الرغم من إزالة القبر والقبة وعدم العثور على أية رفات تثبت دفن حواء في هذه المقبرة، فقد منحها تداول الروايات التاريخية شهرة عالمية كبيرة. حتى أن القناصل الأجانب في جدة، خلال عهد الشريف عون، اعترضوا على محاولات هدم القبة، مشيرين إلى أن حواء هي أم البشرية جمعاء، وليست أم المسلمين وحدهم، كما ورد في كتاب “الرحلة الحجازية” لمحي لبيب البشتوني.
إلى اليوم، لا يزال عدد من الحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم يأتون للوقوف على المكان الذي قيل إن أم البشر دفنت فيه، مما يبرز الأثر العميق والراسخ لحكاية هذه المقبرة في الوجدان الإنساني والتاريخي لمدينة جدة.


















