اسمه الأصلي «كنوت بيدرسون»، واشتهر باسم نوت هامسون في الأوساط الأدبية العالمية. يعد هذا الكاتب النرويجي، عصامي التكوين، ظاهرة محيرة بكل المقاييس؛ إذ اجتمعت في تكوين شخصيته جملة من المتناقضات صنعت من حياته رواية عجيبة ومثيرة حقًا.
النشأة والتكوين المبكر لكنوت هامسون
ولد كنوت هامسون في اليوم الرابع من شهر أغسطس عام 1859 بقرية تدعى «غار موستريد»، الواقعة بمحاذاة مدينة «لوم» النرويجية. وهو الابن الرابع لعائلة احترفت الفلاحة، وتضم في مجموعها سبعة أفراد.
غادر والده عام 1862 مزرعة العائلة بقصد ممارسة مهنة الخياطة في شبه جزيرة «هاماراوا»، ضواحي نورلان، الواقعة ما وراء دائرة القطب الشمالي. وهناك أمضى كنوت هامسون طفولته ومراهقته في منطقة تتكون من جزر صغيرة، وغابات، وجبال مطلة على البحر.
وفي سن التاسعة، عهد بتربيته إلى عم يشتغل بالتبشير الديني من أتباع طائفة التقوية المسيحية الألمانية. وكان هذا العم ذا شخصية قاسية الطبع، وشديدة اليأس، فضلًا عن نزعته الطهورية. كل ذلك دفع بالطفل هامسون إلى الفرار مرارًا منه، قدر المستطاع، لكي يتسكع في أعماق الغابة.
وفي سن السابعة عشرة، أصبح كنوت هامسون مصلح أحذية مبتدئًا لدى أحد محترفي هذه الصنعة بمدينة «بودو» في نورلان. درس آنذاك، بشكلٍ عصامي، الأدب، وشرع في ممارسة الكتابة.
وفي عامي 1877 و1878، نشر دون نجاح لافت ثلاث قصائد عن الشباب المحبط نفسيًا، وهي بعنوان: «الرجل السري»، و«بيورغر»، و«مكتشفات».
حاول بعدها طبع رواية بعنوان «فريدة» عن طريق الناشر «غيلديندال» في كوبنهاغن بالدنمارك، بيد أن مخطوط هذه الرواية قوبل بالرفض.
إثر ذلك قرر الكاتب الشاب السفر إلى أماكن أخرى؛ إذ إنه، على مدى عشرة أعوام، تعددت تنقلاته ورحلاته، بخاصة إلى الولايات المتحدة، وكذلك إلى فرنسا.
وخلال ذلك تنوعت الأعمال التي كان يكتسب من خلالها رزقه؛ حيث اشتغل حمالًا، وبحارًا، وفلاحًا، وقابضًا في الترامواي، وصحافيًا، وطبّاعًا، مع مواصلة الكتابة الإبداعية.
رواية «الجوع»… الانطلاقة الأدبية وبداية التفرد
وفي خريف عام 1888، نشر تحت اسمٍ مستعار في المجلة الدنماركية «الأرض الجديدة» قصةً هي أقرب إلى السيرة الذاتية، تميزت برهافتها السيكولوجية ورقتها المتناهية، تحت عنوان «الجوع» (Sult).
وتستعرض عوالم هذه القصة تفاصيل ليوميات مؤلف شاب يعيش وحيدًا وفقيرًا ومتسولًا في شوارع كريستيانا التي تسمى اليوم أوسلو. رافضًا الانصياع وراء أي ضغط مادي. حيث يمضي السارد في اختيار عن طواعية حياة التسكع والتشبث باليأس. بهدف الإبداع وخلق مصائر وهويات إنسانية أخرى.
نشرت قصة «الجوع» عام 1890 في شكل كتاب عادي، حقق مع ذلك نجاحًا منقطع النظير؛ إذ ترجم مباشرةً إلى الألمانية ثم الروسية.
وقد جاء هذا النص الأدبي عكس التيار السائد آنذاك، وهو الواقعية، التي كان يتزعمها في العالم إميل زولا في فرنسا، وهنريك إبسن في النرويج، وأوغست سترندبرغ في السويد.
وقد حددت هذه القصة بداية الحياة الأدبية الفعلية لكنوت هامسون. وفي الوقت الراهن، تعد هذه القصة إحدى جواهر الأدب الأوروبي في القرن العشرين.

مرحلة النضج الإبداعي وتنوع التجربة الأدبية
في عام 1890، أصدر هامسون عملًا آخر مفعمًا بالتحليلات النفسية، حمل عنوان «عن الحياة الواعية للنفس»، وعملًا آخر أيضًا ذا بعد اجتماعي سياسي بعنوان «الحياة الفكرية لأمريكا المعاصرة».
وتبع ذلك نص هجائي حمل عنوان «المحرر لينج» عام 1893، وأصدر في تلك المرحلة، بخاصة، عدة روايات من بينها «أسرار» (1892)، و«بان» (1894)، و«فيكتوريا» (1898)، التي جلبت له، على نحو حاسم، المجد من أطرافه.
لقد أدهش كنوت هامسون النقاد والقراء بأسلوبه المتمكن لغويًا، وقدرته على كتابة وتدوين الألم ومعاناة أشخاص غير عاديين، تعكس في العموم صورة ذاك المتشرد بطبعه، مثلما أوضح بنفسه في محاضرة خاصة له. وقد جرب كذلك كتابة النصوص الدرامية، لكن بنجاح أقل، ولا سيما في مسرحيته «لعبة الحياة» (1896)، التي بدا فيها تأثره واضحًا وجليًا بالفيلسوف نيتشه في مطلع القرن العشرين.
وعقب إقامة وجيزة بفنلندا تخلى نسبيًا عن المعالجات السيكولوجية في أسلوب كتابته. بحيث راح يحفر في الحقول الاجتماعية والتاريخية مع الاستمرار في الوقت ذاته في تمجيد الطبيعة والتشرد كتجربة وجودية.
الترحال والإنتاج الغزير والحياة الشخصية
سافر بعدها إلى بلاد فارس، وإلى تركيا وروسيا التي كتب عنها مؤلفه “في بلاد الأساطير” 1903 ثم نشر مجموعة شعرية “الجوق البري” 1904. ومجموعة روايات وقصص، مثل:
- “حالمون” 1905.
- “تحت نجمة الخريف” 1906.
- “بينوني” 1908 .
- “روزا” 1908.
- «متشرد يعزف على آلة السوردين” 1909.
وللتذكير فإنه عام 1907 أثار جدلًا عاصفًا إثر إلقائه لمحاضرة جريئة حملت عنوان “تكريم الشباب” ونشرت مفصلة عام 1912 وفيها فصل القول دفاعًا صريحًا عن استقلالية الشباب حيال آراء الكبار وتجاربهم الخاصة.
أما بشأن الحياة العاطفية لكنوت هامسون فقد تزوج عام 1896 من سيدة تدعى “برغيليوت بيش” أنجب منها طفلة سماها “فيكتوريا” التي صارت فيما بعد عنوانا لإحدى أشهر رواياته.
وفي العام 1906 أعلن طلاقه من هذه الزوجة ليعقد زواجه ثانية عام 1909 في سن الـ50 عامًا بالممثلة الشابة “ماري أندرسن” 26 عامًا التي ظلت رفيقة دربه حتى وفاته. لقد عاشا معًا بمعية أبنائهما أولًا بشبه جزيرة «هاماراوا» التي اشترى فيها مزارع عدة ثم بمدينة لارفيك جنوب البلاد.
ذروة الإبداع والتتويج العالمي
واصل بعدها كنوت هامسون في الكتابة والنشر، حيث أصدر أعماله: “الفرحة الأخيرة” 1912. “أطفال هذا الزمان” 1913 و”قرية سيقلفوس” 1915. خاصة “ثمار الأرض” 1917 الذي مزج فيه بين ماضيه كمتسكع وعودته إلى الأرض عبر شخصية الفلاح (زاك). وذلك ضمن جدلية يبرز فيها صراع الذات الفردية والمجتمع.
وعلى غرار جل كتب تلك المرحلة الزمنية دأب على الاحتجاج ضد نزعات الربح والكسب التجاري على حساب القيم الإنسانية الأصيلة. إضافة إلى العنف الحضري المعاصر. وقد تقاطع هذا التوجه في الكتابة مع صدى أعمال “هيرمين هيسه” و”جون جيونو”. حيث توج بعدها عن مجمل أعماله بجائزة نوبل للآداب عام 1920.
وقد ترجمت إصداراته المتوالية فيما بعد، سيما “نساء عند النافورة” 1920 و “متشردون” 1927 و”أوغيست” 1930. و”تستمر الحياة” 1933 إلى جميع لغات العالم، وصدرت ضمن طبعات عدة وهائلة من حيث كمية السحب.
ثم كتب روايته “على الدروب أو يكبر العشب” 1949 والذي يدل على أن كاتبه مختل عقليًا. وكان كنوت هامسون يوبخ ويهزأ برجال القانون والأطباء العقلانيين ممن عكفوا على متابعة حالته. إلى أن توفي بتاريخ 19 فبراير 1952 بمزرعته بنورهولم قرب غريمشتات في سن 90 عامًا.
الاعتراف المتأخر بإرث هامسون الدائم
ما زال النرويجيون يكنون بالغ التقدير والإجلال والأسف أيضًا لابن بلدهم كنوت هامسون الذي يعتبر ثالث أديب نرويجي يحصل على نوبل للآداب.
وقرر البنك الوطني النرويجي إصدار عملة نقدية تحمل صورته. غير أن كاتبنا تبقى نصوصه الأدبية هي التي تخلد اسمه الذي يعيد الأجيال المتعاقبة لاكتشافه والاستئناس به من حين لآخر.
ومنهم «إزاك باسوفيس سينغر»، الذي اعتبر، في مقدمة طبعة جديدة من قصة «الجوع»، أن كل الآداب المعاصرة تستمد منابعها من هامسون.
وكما كتب «هنري ميلر» ضمن مقدمة رواية «أسرار»: «المرارة… الحنين… الحقد… الاحتقار… النميمة، التي جميعها عواطف تؤثث هذا النص.
لا ينبغي أن تنسينا أن كنوت هامسون هو، قبل كل شيء، عاشق للطبيعة، محب للعزلة، شاعر الكآبة بامتياز، الذي في مقدوره أن يضحكنا في اللحظات غير المتوقعة على الإطلاق.
إنه يستطيع، في طرفة عين، تغيير موقفه من النقيض إلى النقيض.. والحق أنه يبدو، في العادة، وكأنه ينشد الخروج من جلده والتحرر كليًا.
ورغم دعابته الحادة وانتقاداته اللاذعة، فإن ذلك لا يمنعنا من الاعتقاد بأن صاحبها رجل دمث يحب الحب، وهو المحكوم عليه ألا يتوحد بنصفه الآخر…».
إن هامسون، عن صدق، هو الرجل الذي يمكن أن نطلق عليه، من دون مبالغة، وصف «الذات الأرستقراطية السامية».




















