كثيرًا ما يتهم الرجل المرأة بالثرثرة، ويصور هذا السلوك على أنه سمة متأصلة فيها لا يمكن تغييرها، وتتداول النكات والتعليقات الساخرة في المجالس لترسيخ هذه الصورة النمطية. غير أن الواقع أكثر تنوعًا مما توحي به هذه الأحكام الجاهزة.
فكما توجد نساء يجدن الحديث بأسلوب ممتع ومفيد، هناك أيضًا من الرجال من يتحدث بإفراط يفوق غيره، إلى درجة قد تسبب الملل أو الإرهاق لمن يستمع إليهم. بعضهم لا يكاد يلتقط طرف الحديث حتى يندفع في سردٍ متواصل، لا يترك مجالًا للمقاطعة أو المشاركة، وكأن الكلمات تتدفق بلا توقف.
ولا تكمن المشكلة في كثرة الكلام بحد ذاتها، بل في مضمونه وقيمته. فالحديث حين يكون ثريًا وهادفًا يظل محل ترحيب مهما طال، أما إذا تحول إلى لغو متكرر يخلو من الفائدة أو المتعة، فإنه يصبح عبئًا على المستمع ويهدر الوقت دون جدوى.
الثرثرة بين الصورة النمطية والحفيفة العلمية
وإذا كان بعض العلماء يعزون ما يسمّى بظاهرة الثرثرة لدى النساء إلى زيادة تركيز المادة الرمادية في أدمغتهن — وهي المادة المسؤولة عن مهارات التعبير والطلاقة اللغوية. حيث تشير بعض الدراسات إلى أن عدد الخلايا المرتبطة بهذه الوظائف أكبر نسبيًا لدى المرأة مقارنة بالرجل، فكيف يمكن تفسير كثرة الكلام لدى بعض الرجال؟ وهل تكفي هذه الفرضيات العلمية لتعميم حكمٍ شامل على جنسٍ بأكمله؟

في الواقع، إن الادعاء بأن النساء يتحدثن ثلاث مرات أكثر من الرجال ليس سوى صورة نمطية شائعة. فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في جامعتي تكساس وأريزونا أن متوسط عدد الكلمات التي تنطق بها المرأة يوميًا يبلغ نحو 16,215 كلمة، مقابل 15,669 كلمة للرجل. أي إن الفارق بينهما لا يتجاوز 546 كلمة، وهو فرق طفيف لا يدعم المبالغات المتداولة التي تزعم أن المرأة تنطق بعشرين ألف كلمة يوميًا أو أكثر.
وهكذا يتبين أن مسألة الثرثرة لا ترتبط بجنس معين بقدر ما تتعلق بطبيعة الفرد وشخصيته وظروفه الاجتماعية، وأن الأحكام العامة غالبًا ما تكون أبعد ما تكون عن الدقة العلمية.
اختلاف المواضيع لا عدد الكلمات
ومما قد لا تدركه بعض النساء أن الحديث عنهن يستحوذ على جانب كبير من أحاديث الرجال. صحيح أننا لا نذكر أسماء محددة كالزوجات أو الأخوات، لكننا كثيرًا ما نلجأ إلى التعميم أو التلميح. تجنبًا للوقوع في الغيبة الصريحة من جهة، وللحفاظ على صورة مثالية عن أنفسنا من جهة أخرى.
والواقع أن كثيرًا من الرجال لا يقلّون شغفًا بالقيل والقال عن النساء، بل قد يفوقونهن في بعض الموضوعات. وقد دعمت إحدى الدراسات هذه الفكرة؛ إذ راقب قسم البرمجة العصبية في إحدى الجامعات نحو 400 مجموعة طلابية. حيث جرت النقاشات بين أفراد كل جنس على حدة.
وأظهرت النتائج أن الرجال والنساء يتحدثون بالمعدل نفسه تقريبًا، ويستخدمون عددًا متقاربًا من الكلمات. وكان الفارق الوحيد يتمثل في طبيعة الموضوعات التي يتناولها كل طرف.

وهذه النتائج تتعارض مع الاعتقاد الشائع بأن النساء يثرثرن أكثر من الرجال بثلاثة أضعاف. مؤكدة أن الفروق ليست في كمية الكلام، بل في مضمونه واهتماماته.
الكم وطبيعة الحديث
وتذكّرنا هذه الدراسات بمفارقة لغوية وإنسانية لافتة؛ فهناك فرق شاسع بين الثروة اللغوية التي تملكها أي لغة. وبين عدد الكلمات التي يستخدمها الفرد في حياته اليومية. فاللغة العربية — على سبيل المثال — تضم مئات الآلاف من المفردات. غير أن الإنسان العادي لا يستعمل في حديثه اليومي سوى بضعة آلاف منها، بينما ينخفض هذا العدد لدى الأطفال إلى بضع مئات فقط. بل إن عدد المفردات يمكن أن يتضاعف كثيرًا إذا احتسبنا الاشتقاقات المتفرعة من الجذر الواحد.
ومع ذلك، فإن قلة عدد الكلمات المستخدمة لا تعني ضعفًا في التعبير. بل تعكس طبيعة التواصل البشري الذي يميل إلى الاقتصاد اللغوي والتركيز على المفردات الأكثر تداولًا.

وبالعودة إلى مسألة الثرثرة، تشير بعض الدراسات إلى أن الرجال قد يميلون إلى الإطالة في الحديث. خاصة في الجلسات المختلطة، بدافع الرغبة في إبراز المهارات أو فرض الحضور. في المقابل، تميل النساء إلى التوسع في موضوعات تتعلق بالمشاعر والعلاقات الإنسانية. ويتحدثن عن ذواتهن بصورة أكثر مباشرة. وهكذا يبدو أن الفروق لا تكمن في كمية الكلام بقدر ما تكمن في طبيعة الموضوعات وأسلوب الطرح.
وفي النهاية، يرى عدد من الباحثين أن الرجال والنساء يتقاربون في معدلات الحديث، ولا مسوغ لوصم النساء تحديدًا بالثرثرة. أما المقولة الطريفة التي تزعم أن كثرة الكلام تطيل عمر المرأة، فهي تبقى في إطار الدعابة الاجتماعية أكثر من كونها حقيقة علمية مؤكدة.
















