الفن.. والسياقات المتوازية

يرتبط التفكير الجدلي بالتفكير الدارج بالطريقة نفسها التي ترتبط فيها الصورة المتحركة بالصورة الفوتوغرافية الساكنة. الصورة المتحركة لا تبطل الصور الفوتوغرافية.

ولكن تكوّن منها متوالية تبعًا لقوانين الحركة، وبهذه المنهجية في التفكير الجدلي وارتباطه بالتفكير الدارج يمكن الربط ما بين الصور المتحركة التي تمثل الواقع لتنعكس أفلامًا على الشاشة الفضية أو مسرحيات أو حتى أغنيات. وربما يصل التعبير ذروته من خلال الصورة فقط.

ويمكن أيضًا التيقن من أن هناك مواضع ارتباط قوية ما بين الصورة السينمائية والصور الديناميكية الواقعية. أو التأكد من أن كلتاهما تسيران في خطين متوازيين برغم أن الأصل فيهما التشابك.

دور الإبداع في إيقاظ الذاكرة

يؤثر الدور الفعّال للفن في إيقاظ الذاكرة؛ بل ويحرص على أن يكون سنداً للتاريخ لكل من نسي ما مر به العالم. من خلال إيصال الحقيقة لكل من لم يعرف من أجل الانتصار للإنسان دون التفرقة لجنسه أو لونه أو انتمائه.

فالفن بروائعه في مختلف ألوان الإبداع كان دائمًا نداءً إنسانيًا لنبذ العنف ونذر الحرب، والتأكيد على أن هناك أمورًا أخرى قد تنتهج.

ولكن السؤال الحائر: هل عالجت الفنون بصورة حيادية تماماً؟ أم أنها اتخذت أشكالًا أخرى من الالتواء والتعرج لتجسد فكرتها المسيسة؟

البداية لتغيير نهج التفكير

لقد كانت أحداث الحادي عشر سبتمبر البداية الفعلية لتغييرات ثقافية واجتماعية وفنية عميقة في نهج التفكير الفني الأمريكي. إلا أن الإنتاج السينمائي بقي محدودًا بعد موجة الأفلام التي قدمها المخرج أوليفر ستون والأبرز منها فيلم  JFK و”NIXON”.

لم يظهر بعدهما إلا محاولات معدودة لاستعراض أحداث دولية مهمة، لعل أهمها الفيلم البريطاني the Queen. وفيلم “Flight 93” الذي يسرد نص الفيلم ردة فعل عائلات الركاب أثناء تلقيهم خبر اصطدام طائرة تجارية لبرجي التجارة العالمية، العمل شبيه إلى حد كبير من ناحية الشكل والسيناريو بالعمل السينمائي المتميز “يونايتد 93” ونال نجاحًا نقديًا وتقديرًا أكاديميًا.

مغالطات فنية لحقائق تاريخية

وتضمنت سيناريوهات الأفلام العديد من المغالطات للحقائق التاريخية الموثقة في بعض النماذج لعل أبرزها فيلم the Kindom الذي لم يقدم الكفاءة والبسالة التي أظهرها الأمن السعودي في حربه على الإرهاب والانجازات المتمثلة في الكشف عن العديد من الخلايا المسلحة.

فجاء الفيلم ضعيفا من ناحية السرد القصصي المتمثل في تقديم حقائق غير مدعومة بالأدلة وصفات عن الشعب السعودي خالفت التوقعات. كما كان الفيلم ضعيفًا من الناحية الفنية لأبعد الحدود، فانتقص النقاد من قيمة الفيلم الفكرية والفنية. لأنه كانت تشوبه صفة هوليوود عنما قدّم الأبطال وحدهم من أبناء الحرية وكأن البطولة محصورة ومحتكرة لأبناء الحرية. في الوقت الذي لقي فيلم Syrianaلجورج كلوني ترحيًبا نقديًا بحكم أنه كان منصفًا بما فيه الكفاية  في تقديم الحرب .

الحرفية والمصداقية في صناعة الفن

التوجهات الفنية العقلانية العادلة للمبدعين هي السبب الرئيسي في إجادة صنع أعمال فنية ذات حرفية ممتازة ومصداقية عالية وموثوقة. ولطالما ساعدت الإعمال السينمائية الفنان في العثور على ضالته أيّا كان نوعية الحدث.

فالكثير من الأحداث ما تزال مبهمة أو غير معروف سببها فأصبحت مادة ليست ذا موضوع يمكن استسقاء قصة منها. ولكن السينما تجد طريقها دائما في إيصال ذلك. ومؤخرًا أصبح للفيلم الوثائقي مكانته في السينما بعد أن ظل حكرا على شاشات التلفزيون.

والسبب هو ظهور شخصيات لديها ميول سياسية تصنع أفلاما بسيطة وحساسة تحاكي غالبية شرائح المجتمع بل وتشاكسه أحيانًا. من خلال مناهضة الحكوم وهذا ما أكسبها إقبالًا كبيرًا من الجمهور.

وكانت البداية بفيلم للمخرج الأمريكي مايكل مور ” روجر وأنا “ الذي كان الشرارة الأولى لتناول موضوع خطورة انتشار الأسلحة في داخل الولايات المتحدة ، ثم بفيلمه  9/11 فهرنهايت. وفيلم ” سيكو “ حول موضوع الضمان الاجتماعي، وفيلمه الأخير الذي تناول الاقتصاد في الولايات المتحدة ” الرأسمالية وأمريكا قصة حب “هذه التوجهات عززت مكانة القضية السياسية لدى الجمهور.

التوجه السياسي للأعمال الفنية

غطت الكثير من الأعمال الفنية المتنوعة الحرب والسياسة والسلطة والعنف والإعلام والرياضة والإنسانية. ما جعل التوجه السياسي للمبدعين مثارًا للجدل برغم أنه أعمالا رائعة وتتسم بالحيادية، والمشاكسة أحيانًا.

وكانت النتيجة بروز شلال من المخرجين الذين لطالما دنو من تجسيد التوجه السياسي وقدموا أعمالا أصبحت أيقونة. ولعل أبرزها فيلم ” تحت الأرض” للمخرج أمير كوستريكا، وفيلم ” القيامة الآن “ لفرانسيس فورد كوبولا ، وستانلي كوبريك في فيلمه “دكتور سترينجلوف”، ومايكل تشيمينوف بفيلمه “صائد الغزلان”، وكيفن كوستنر بفيلم “الراقص مع الذئاب”.

هذه التوجهات لمثل هؤلاء المبدعين استطاعت أن تبقى شاهدًا ومؤرخًا وفاضحًا ومفككًا ، فكانت أفضل وسيلة تؤكد أنه لمعرفة أي شيء عن قضية ما هو التوجه مباشرة إلى أحد أعمال هؤلاء.

الرابط المختصر :