تبدأ بعض الكائنات البحرية الصغيرة، المعروفة باسم “البخاخات البحرية”، حياتها بالسباحة بحثًا عن مكان مناسب للاستقرار. وما إن تجد موطنها حتى تلتصق بقاع البحر وتفقد قدرتها على الحركة، بل تهضم جزءً من جهازها العصبي، بما في ذلك بنيتها الدماغية، لأنها لم تعد بحاجة إليها بالطريقة نفسها التي كانت تحتاجها أثناء السباحة.

ورغم أن الإنسان لا يفقد دماغه بسبب الخمول، فإن هذه الكائنات تقدم تشبيهًا مثيرًا للتفكير حول أهمية النشاط بالنسبة إلى الدماغ، خصوصًا خلال مرحلة الطفولة. فالطفل لا يتعلم بمجرد استقبال المعلومات، وإنما من خلال الحركة، واللعب، والتجربة، والتحدث، وطرح الأسئلة والتفاعل مع الآخرين.
ومن هنا تبرز مشكلة شائعة في الطريقة التي نصف بها الأطفال، وهي تشبيههم بـ«الإسفنجة» التي تمتص كل ما يحيط بها. صحيح أن الأطفال يتعلمون بسرعة ويكتسبون كميات كبيرة من المعلومات، لكن هذا التشبيه قد يوحي بأنهم متلقون سلبيون، بينما تظهر أبحاث النمو أن الأطفال متعلمين نشطين بطبيعتهم.
كيف يتعلم الطفل من خلال التجربة؟
منذ الأشهر الأولى، يبدأ الطفل في اكتشاف العلاقة بين أفعاله وما يحدث من حوله. فعندما يسقط الرضيع ملعقة من كرسي الطعام، فهو لا يقوم بحركة عشوائية فقط، بل يختبر بطريقة بسيطة مفهوم السبب والنتيجة والجاذبية.

وعندما يبني الطفل برجًا من المكعبات ثم يراه يسقط، فإنه يتعلم عن التوازن والأحجام والعلاقات بين الأشياء. ومع تكرار هذه التجارب، تتطور قدرته على فهم العالم من حوله. لذلك، فإن اللعب والحركة والتفاعل ليست أنشطة منفصلة عن التعلم، بل تشكل جزءً أساسيًا منه.
الكلام مع الطفل لا يعني الكلام نيابة عنه
ينصح الآباء عادةً بالتحدث كثيرًا مع أطفالهم، وهو أمر مهم بالفعل لتطور اللغة والقدرات المعرفية. لكن الفائدة لا تأتي فقط من أن يتحدث الوالدان أمام الطفل، وإنما من إشراك الطفل في الحوار عندما يصبح قادرًا على ذلك.
فالتحدث نفسه نشاط تعلّمي، وعندما يمنح الطفل فرصة للتعبير عن أفكاره، ووصف ما يراه، وطرح الأسئلة والرد عليها. فإنه يمارس مهارات ترتبط بتطور اللغة والانتباه والذاكرة والاستعداد للتعلم المدرسي.
ولهذا، من الأفضل ألا يكون التواصل مجرد سيل من الكلمات الموجهة إلى الطفل، بل تبادلًا حقيقيًا يسمح له بالمشاركة والاستجابة.

الشاشات لا تجعل الطفل يتعلم لمجرد أنه يشاهد
قد تقود فكرة «الطفل الإسفنجة» إلى الاعتقاد بأن الطفل يستطيع امتصاص المعلومات من أي مصدر. بما في ذلك مقاطع الفيديو والبرامج الموجهة إليه. لكن مشاهدة الشاشة تختلف عن التعلم من خلال التفاعل المباشر.
عندما ينشغل الطفل بالشاشة، قد تقل فرصه في الحديث واللعب والحركة والتفاعل مع الأشخاص والأشياء المحيطة به. ويعرف هذا النوع من التشويش في التفاعل الأسري باسم التداخل التكنولوجي. وقد يرتبط بالاستخدام المفرط للشاشات وبمشكلات في النوم وبعض جوانب النمو والسلوك.
ولهذا، لا ينبغي النظر إلى المحتوى الرقمي على أنه بديل تلقائي للتفاعل الحقيقي، خصوصًا خلال السنوات الأولى من حياة الطفل. حيث يكون التعلم المباشر من الأشخاص والبيئة المحيطة بالغ الأهمية.

حتى المشاعر تحتاج إلى الممارسة
لا يقتصر التعلم النشط على المعرفة واللغة، بل يشمل أيضًا النمو العاطفي والاجتماعي. فالطفل يتعلم تدريجيًا كيف يتعامل مع الغضب والإحباط والانتظار والخلافات من خلال المرور بهذه المواقف ومحاولة التعامل معها.
وعندما يلهى الطفل في كل مرة يشعر فيها بالضيق باستخدام الهاتف أو الفيديو، قد يفوّت فرصة ممارسة هذه المهارات بنفسه.

وبالمثل، يحتاج الأطفال الأكبر سنًا إلى فرص للتعبير عن مشاعرهم، والتفاوض، وحل المشكلات والتعامل مع الخلافات. فهذه المواقف اليومية تساعدهم على بناء الاستقلالية والمهارات الاجتماعية والعاطفية التي يحتاجون إليها مع تقدمهم في العمر.
اللعب ليس عكس التعلم
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الطفل إما أن يلعب أو يتعلم، وكأن اللعب يمثل وقتًا ضائعًا يمكن استبداله بمزيد من الدروس.
في الواقع، يساعد اللعب الأطفال الصغار على تطوير قدراتهم المعرفية والحركية والاجتماعية. كما أن فترات الراحة والحركة يمكن أن تساعد الأطفال على استعادة الانتباه والاستعداد للتعلم.
أما التعلم القائم على اللعب، فيجمع بين المتعة والتجربة واكتساب المعرفة، بدل مطالبة الطفل بالجلوس لفترات طويلة والاستماع إلى المعلومات فقط.
التعلم النشط يفيد الأطفال الأكبر سنًا أيضًا
لا تتوقف أهمية التعلم النشط عند مرحلة الطفولة المبكرة، بالنسبة إلى الأطفال الأكبر سنًا والمراهقين والطلاب، تشير الأبحاث إلى أن المشاركة في الأنشطة التعليمية. وحل المشكلات، والمناقشة، والتطبيق العملي يمكن أن تؤدي إلى تعلم أعمق وأسرع مقارنة بالاكتفاء بالاستماع إلى المحاضرات وتلقي المعلومات بصورة سلبية.

ومع ذلك، قد تواجه أساليب التعلم النشط مقاومة من بعض المعلمين والأهل والطلاب، لأن التعليم التقليدي الذي يعتمد على الاستماع والحفظ لا يزال راسخًا في كثير من البيئات التعليمية.
الطفل يحتاج إلى أن يكون مشاركًا لا متلقيًا
لا يعني ذلك أن كل وقت الطفل يجب أن يتحول إلى نشاط تعليمي منظم، أو أن على الآباء والمعلمين تحويل كل لعبة إلى درس. المقصود هو توفير بيئة تمنح الطفل الفرصة للمحاولة والاكتشاف والخطأ والتعبير والتفاعل.
فالطفل الذي يسأل، ويتحدث، ويبني، ويركض، ويلعب، ويحل مشكلة، ويتفاوض مع طفل آخر، يتعلم بالطريقة التي تناسب مراحل نموه.
قد تكون البخاخات البحرية قادرة على الاستغناء عن دماغها بعد أن تستقر في مكانها، لكن الأطفال يحتاجون إلى العكس تمامًا، الحركة والتجربة والتفاعل حتى ينمو دماغهم وقدراتهم.
ربما حان الوقت للتخلي عن صورة الطفل باعتباره إسفنجة تمتص المعلومات، والنظر إليه بدلًا من ذلك باعتباره شريكًا نشطًا في عملية التعلم منذ سنواته الأولى.



















