الدبلوماسيـة وسباق التأثير الدولي

منذ نشأت الدول في صورتها المتطورة والمنظمة سياسيا ارتبطت ببعضها من خلال علاقات سياسية واقتصادية واسعة. تأسست  قديما من خلال اعتبارات المنفعة والتبادل الثقافي والتجاري في صورته البدائية.

مفهوم الدبلوماسية

النشاط الدبلوماسي فن يستند إلى مهارات شخصية وفنيات فذة في التعامل، وهو علم له قواعد ثابتة وأصول راسخة ودراية قانونية واسعة. وتؤدي الدبلوماسية دورًا محوريًا كأداة لتنفيذ السياسات والتغلب على التحديات وتجنب الخلافات وتجاوز الصراعات لضمان الحفاظ على المصالح الوطنية بمنأى عن التهديدات.

وهي بهذا المفهوم يمكن أن تؤدي دورا استباقي التنظيم النفوذ عالميا. تجمع الدبلوماسية بين المهارة في الإقناع والقدرة على التفاوض في إطار القانون الدولي لحماية المصالح الوطنية. وأدواتها التفاوض والوساطة والعقوبات الاقتصادية وحماية حقوق الإنسان وصولًا إلى التهديد باستخدام القوة في أقصى الحالات. وبهذا تكون الدبلوماسية وسيلة وأداة للتفاوض، وفن التعامل مع القضايا على المستوى الثنائي بين الدول. أو على المستوى المتعدد الأطراف في الهيئات والمنظمات العالمية لتحقيق الأهداف.

مفهوم سباق التأثير الدولي

ويشير هذا المفهوم  إلى سعي الدول المتنافسة لتنظيم تحركاتها الدولية لأجل سرعة توسيع دائرة نفوذها عالميا. باستخدام أساليب متنوعة تشمل “القوة الصلبة” العسكرية والاقتصادية و “القوة الناعمة “ الثقافية والاجتماعية. لاستقطاب مواقف الدول والحصول منها على الاعتراف بحقوقها وتأييد مطالبها ثم دعمها سياسيا ولوجستيا في المحافل الإقليمية والقارية والمنظمات العالمية.

وفي ذلك، يتنافس الخصوم مستغلين حرية الحركة ومرونة مسار تفاعل مختلف الأطراف دوليًا. لدعم دور أحد الأطراف إقليميًا ودوليًا كعامل لتحقيق التوازن. من خلال زخم دبلوماسي قد يحمل الرسائل التحذيرية أو البشائر التضامنية أو الإشارات الضمنية لإحداث التأثير السياسي الإيجابي الدولي المطلوب في تعديل أو تغيير وجهات النظر، وتصحيح الرؤية وتأكيد الموقف.

ارتباط الدبلوماسية بسباق التأثير

إن تمتع الأطراف الفاعلة في المجتمع الدولي بالشخصية القانونية الدولية قد أدى إلى تطوره وإلى جعل الدول تتأثر وتُؤثر في نوعية وحجم العلاقات الدولية بالنظر إلى طبيعة المصالح سواء المشتركة  أو المتعارضة. فيما بينها لأنها هي التي تحدد مستوى العلاقة. ذلك لأنه لم يعد بإمكان الدول بوصفها “هيئات سياسية واجتماعية” أن تعيش بمعزل عن الجماعة الدولية، والنشاط الدبلوماسي هو الذي يضبط إيقاع العلاقات سواء التنافسية أو التكاملية  أو التضامنية على الحفاظ على المصالح واكتساب المنافع.

وغالبًا ما يتجاوز هذا الارتباط  المتأثر بالضغوط والتحديات طابع التعاون الثنائي بين الدول إلى تضافر الجهود في إيجاد الحلول السياسية السلمية لتحقيق الأمن الدولي. كما هو جاري في وقتنا الحاضر في مختلف بقاع الأرض.

فروابط التعامل والتعاون والتكامل التي تربط الدول والشعوب ببعضها البعض لتأمين النشاطات والحركات المالية والاقتصادية والأمنية تفرض عليهم ضرورة ضمان توفر أدوات الاتصال الحديثة المؤمنة والفورية زمن السلم كما هو في زمن الحرب.

وهو ما اقتضى حاجة الدول إلى الاستعانة بوسائط ومؤسسات وقنوات اتصال لإدارة شؤونها الخارجية ممثلة في السفارات والقنصليات. ولعل اللجوء إلى إرسال الرسل والمبعوثين الخاصين والممثلين الشخصيين لقادة الدول. في إطار السعي الدبلوماسي للتأثير في توجيه الجهود لحل الخلافات ومحاولة فض النزاعات والتوجه نحو الاجتهاد في احتواء الأزمات. ثم تنظيم خطوات رأب الصدع وإجماع الرأي في رسم إصلاح ذات البيّن والتشاور حول سيناريو مفاوضات تحقيق الصلح.

ما يؤكد كله الدور الكبير للنشاط الدبلوماسي في توطيد العلاقات الدولية بفضل تمتع الرسل بالحماية الدولية منذ نشوء الدولة. وضمان حسن معاملتهم التي تليق بكرامتهم ومكانتهم. فكان ذلك بداية بزوغ النواة الأولى للمبادرة بتنظيم العرف الدولي للحصانة الدبلوماسية بعد ظهور الدولة الحديثة.

الحماية الدولية للمبعوث الدبلوماسي

لقد فرض القانون الدولي العام على الدول أن تعامل المبعوث الدبلوماسي معاملة حسنة تليق بدولته. لكونه يمثل رئيس الدولة في الدولة المعتمد لديها، وأنه باعتبار الدبلوماسية إحدى أهم الوسائل التي يضعها القانون الدولي العام بيد الدولة. وأنها صورة لتوطيد العلاقات وتسوية النزاعات الدولية فإنها كذلك قد تؤدي إلى تأزم الأوضاع وقيام المسؤولية الدولية طالما أساءت أجهزة وسلطات الدول المعتمد لديها احترام حق المبعوث الدبلوماسي وترفت خارج القانون والعرف الدوليين .

ويثور التساؤل الحائر حول مدى اعتبار القواعد الحالية المنظمة للحصانة الدبلوماسية كافية لتكريس استقرار العلاقات الدولية. حتى تكون بحق دافعها نحو مزيد من التعاون فيما بينها في ظل ترتيب المسؤولية الدولية عن انتهاك الحصانات. وكيفية جبر الضرر نتيجة هذا الانتهاك الذي قد يبدو عن غير قصد وهذا أمر مستبعد أو أن يكون عن قصد يراد منه تحجيم تأثير الدور الدبلوماسي لدولة ما بعد اعتباره خطوة مزاحمة أو عقبة في طريق تفعيل جهود التأثير الدبلوماسي لدولة أخرى.

الرابط المختصر :