التعلم طول العمر

إن ضرورة إقبال الإنسان على التعلم ليس بالحديث الجديد ولا بالأمر المستحدث؛ لأن القناعة بأهميته ثابتة من المهد إلى اللحد.

ولكن مكمن الانشغال يتعلق بمدى توفر سبل ضمان دوام هذا الإقبال. وإن كان مسألة اختيارية أم توجهًا حتميًا؟ أو هل هي ضرورة اقتصادية أم تحد اجتماعي أم رهان معيشي؟

أحدثت موجة التغيير العالمية الحالية الناتجة عن التطور التكنولوجي والتقدم العلمي والإبداع التقني قفزات هائلة في مسيرة الحضارة الإنسانية. ولكنها فرضت واقعًا جديدًا أوجب ضرورة التعامل معه، وهو مواجهة حالات سوء وانحراف استخدام التطبيقات التكنولوجية. وتعلم كيفية تجاوز مظاهر الفوضى وحالات الاضطراب بطريقة حكيمة ومناسبة.

لتسهم في تغيير النظرة إلى التعليم وجعله في خدمة إتقان استخدام التقنيات الحديثة نحو تطوير قدرة البشرية على تحقيق النتائج الأفضل.

يؤكد بعض المتشائمين أننا ما زلنا بعيدين عن مجتمع العقل. ولدينا قصور وتقصير في المشاركة بالجهود الدولية لإثراء الحديث بالأفكار والآراء حول سبل تعاون العديد من أدوات الذكاء المتطورة التي تمتلك قدرات الاستنتاج والتعلم وتجيد طرق تمثيل المعرفة والمنطق.

هذا القصور نتيجة مباشرة لتلك العلاقة السائدة، خصوصًا في الدول النامية التي تحصرها ذات الآراء بين التعلم والكسب.

حيث تميل إلى اتباع قاعدة بسيطة وهي الحصول على أكبر قدر من التعليم في وقت مبكر لحياة مهنية أطول. وكسب مالي أكثر يضمن ارتقاء الفرد ورفاهية أسرته. ولكن الجديد في الأمر إذا كان الفرد يريد أن يكون موظفًا لأطول فترة من حياته عليه أن يسعى للتعلم طول عمره.

لأن ما اكتسبه طوال عشرات السنين التي مضت بعد تخرجه من الجامعة قد تغيرت. وأزاحت المعطيات المغايرة للواقع المعاش والحقائق الحياتية الحديثة تلك الأفكار القديمة. التي لم تعد في معظمها مقبولة فكريًا ولا متوافقة ثقافيًا وغير لائقة عمليًا ولا تستجيب فعليًا لمتطلبات الحياة العصرية الحديثة.

تضعنا تعقيدات الحياة المعاصرة أمام التأكيد على حتمية التوجه لنيل أكبر قدر من التعلم في المجالات التي يمكن أن تواكب متطلبات سوق العمل، وأن تتكيف مع تقلبات موجات التغيير وتزايد التحديات المعيشية، ونكون بذلك أمام مسألتين:

الأولى، تأثير انعكاسات الأزمات المالية وآثارها الاقتصادية في وضع وحياة الفرد وحالة تطورالمجتمع.

الثانية، تأثير قانون العرض والطلب في سوق الكفاءات بعد ما ازداد عدد حاملي الشهادات الجامعية وانخفض المردود المادي مقابل هذه الشهادات.

ولعل من أبرز التحديات الحالية هو التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الآخذة بالانتشار في مختلف الأعمال والحياة اليومية للأفراد. حتى أزاحت الكثير من الموظفين والعمال من مناصب عملهم وأحالتهم على البطالة، والمفيد أن مواصلة تعلم الفرد وترقية معارفه أصبح استثمارًا حقيقيًا يدوم طوال حياة الفرد.

المتفق عليه بالملاحظة والتجربة العملية أن الشهادة الجامعية في بداية ولوج الفرد للحياة العملية وممارسة مهام المهنة لم تعد تغني عن المهارات الجديدة. ولم تعد تلغي الحاجة إليها باستمرار، وتزداد هذه الحاجة كلما طالت فترة ممارسة المهنة.

حيث يبرز بما لا يدع مجالًا للشك الدور الكبير المؤثر والمفيد للتدريب المهني خلال فترة الممارسة. لصقل مهارات الموظفين والعمال في مجال عملهم. وتحديث معارفهم باستمرار بكل ما يمكن أن يواكب التطور التكنولوجي السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. ومرافقة الخطوات العملاقة لاعتماد الرقمنة في مجمل مجالات الحياة. وهي معارف تتطلب الإلمام بها وتعلمها في وقت مبكر .

ويبرز هنا واجب الدولة ودور المؤسسات في تحمل عبء تزويد موظفيها بالخبرات المطلوبة. والظاهرة المقلقة أنه أصبح على ما يبدو ثمة تراجع لدى أرباب العمل في تدريب القوى العاملة. بمعنى عدم الرغبة بالاستثمار في تنمية قدراتهم لصالح العمل .

والمفارقة الغريبة أيضًا أن بعض المؤسسات قد تخلت عن هذه المهمة. وأصبحت تبحث عن الكوادر الجاهزة المعدة مسبقًا والمؤهلة تأهيلًا عاليًا. وبذلك انتقلت مهمة ومسؤولية التطوير المهني على عاتق الفرد ذاته.

وعليه انتقلت كما يقال المؤسسات من بناء الكفاءات ورعاية المواهب إلى مجرد استهلاكها.

وحقيقة الواقع أن تراجع مكانة التدريب بالمؤسسات يعود إلى عدة أسباب موضوعية. منها: أن ميزانيات التدريب كثيرًا ما تتعرض لعدم الثبات. وربما إلى تخفيض حجم المخصصات نتيجة عسر مالي أو ضغوط اقتصادية.

كما يؤدي تغيير نمط سوق العمل إلى مراجعة جدوى مسألة التدريب إلى حين اتضاح طبيعة مجموعة أوسع من الخيارات لإنجاز المهام ومنها التشغيل الآلي ونقل الأعمال لإنجاز مهام خارج البلاد.

ولا يرى فريق من المتفائلين أن الصورة قاتمة ومليئة بالتحديات إلى هذا الحد. بل أن ثمة مسائل إيجابية وهي أن سبل التطوير المهني الذاتي متوفرة وأكثر سهولة.

بالإضافة إلى الدورات المتاحة على الإنترنت تقدمها شركات عالمية تركز على التوظيف. إلى جانب موقع “لينكد إن”، الذي اشترى حديثًا موقع الشبكات المهنية.

وشركة أعمال التدريب عبر الإنترنت “ليندا” التي تقدم دورات من خلال ما تسمى “لينكد إن للتعلم”. كما أن لدى شركة التعليم عبر الإنترنت “بلورالسايت” مكتبة من أشرطة الفيديو للتدريب حسب الطلب. وقد أخذت الجامعات تعتمد على مقررات التعليم “عن بعد” عبر الانترنت.

وهناك دول آسيوية كثيرة -سنغافورة نموذجًا- تستثمر بكثافة في تزويد مواطنيها بمقررات تعليمية يمكنهم الاعتماد عليها طوال حياتهم العملية. فأنشأت ومولت حسابات التعليم الفردية لكل مواطن يزيد سنه على 25 عامًا للإنفاق على برامج التدريب في قائمة من 500 مؤسسة معتمدة للتدريب المهني. وأنشأت فرنسا حسابات تدريب فردية يمكن للعاملين استخدامها لدفع تكاليف 24 ساعة من التدريب سنويًا على مدى 8 سنوات في مجموعة كبيرة من البرامج.

كما برزت شركات متخصصة في تقديم خدمات الترقية الوظيفية والتطوير المهني والتقني مثل “وان مانث” و”كود أكاديمي”. وشركة “الجمعية العامة” في لندن التي تقدم خدمات تعليمية مختلفة مثل “المهارات القاسية” كالترميز والتنقيب عن البيانات.

وأيضًا “المهارات الناعمة” مثل القيادة والمرونة والقدرة على التحدي. ولعل نجاح هذه الشركة في تعليم اللغة الرمزية المشتركة في برنامج دائم يمتد ما بين عشرة إلى اثنى عشر أسبوعًا عبر فروعها في عشرين مدينة في العالم حتى تخطى عدد المتخرجين 35 ألفًا. لهو خير مثال على توضيح حجم زيادة الطلب على التعليم الوظيفي والتكوين المهني المتواصل.

وأيضًا على مدى تأكيد أهمية وجود مثل هذه المؤسسات في مجتمعاتنا. إذ أصبحت ضرورة حيوية لحاضر ومستقبل الفرد وكل حياته ولتنمية الاقتصاد الحديث.

الرابط المختصر :