الأطفال العسر.. اختلاف طبيعي يحتاج دعمًا لا تغييرًا

الأعسر هو من يميل إلى استعمال اليد اليسرى، وقد يسمونه “الأشول” وعلى نقيضه الأيمن. ويمثل غالبية البشر بنسبة تصل إلى 90 % أو أكثر. أما من هو قادر على استعمال يديه الإثنتين فيمثل القلة النادرة من الناس.

اعتقادات في استعمال اليد اليمنى واليسرى

لقد تملكت أغلب الناس القناعة منذ قديم الزمان أن اليد اليمنى تمثل نوازع الخير. بينما تمثل اليد اليسرى الأفعال الدنيئة التي ترتبط بالشر والعيب والشيطان. لهذا كانت التحية باليد اليسرى عيبًا لا تقبله التقاليد ولا القيم، كما أن الأكل يكون باليد اليمنى لا اليسرى.

ومن هنا نجد الآباء والمربين يزجرون كل طفل يستعمل يده اليسرى، سواء حدث هذا عن طريق الخطأ أو لسبب عضوي في جسم الطفل؛ بحجة التربية والتعليم على قواعد الحياة السليمة.

لا ننكر سيادة اليد اليمنى عند الإنسان، بدليل ما كشفت عنه الحفريات من أدوات وأسلحة صنعها القدامى لتناسب استعمال اليد اليمني فقط. وبدليل بقايا هياكل الحيوانات التي اصطادها ذلك الإنسان الأول. والتي تشير إلى إصابة الناحية اليسرى من جماجمها أو آذانها. دليلًا على استعمال الصياد القديم ليده اليمنى.

لقد ذهب كثير من المجتهدين في تفسير هذه الظاهرة، وسلكوا دروبًا عديدة؛ فمنهم من قال إن جسم الإنسان غير متناظر من الداخل. على خلاف الخارج الذي يبدو متناظرًا، فالكبد مثلًا في جهة اليمين من البدن. بينما القلب يميل إلى جهة اليسار، ويقبع الطحال في جهة اليسار.

وعلى هذا فمركز الثقل عند الإنسان يميل إلى ناحية اليمين؛ حيث يزيد وزن الشق الأيمن من الجسم عن الشق الأيسر بما يقارب 400 جرام تقريبًا. ومن هنا يحاول الإنسان أن يميل بجسده ناحية اليسار حتى يتوازن وهذا ما يحرر يده اليمنى، ويجعلها أكثر كفاءة وقدرة.

نظرية السيف والدرع

أما نظرية المؤرخ البريطاني “توماس كارليل” فتمت تسميتها بنظرية “السيف والدرع”، قال فيها “إن الإنسان تعود أن يحمل فيما مضى من زمان درعاً في يده اليسرى، ليحمي به قلبه، ولهذا كان عليه أن يحمل سيفه بيده اليمنى. مما أعطاها القوة والمرونة في الحركة، حتى صارت هذه طبيعة عند كل البشر”.

غير أن نظرية “السيف والدرع” لم تفسر سر سلوك الناس قبل استعمالهم السيوف والدروع. ولا بعد أن استغنوا عنها باستعمالهم البنادق والمدافع والصواريخ.

بعضهم قال أن الوراثة سبب للأعسر، ومن الصحيح أنه إذا كان أحد الوالدين أعسر تزيد نسبة أطفاله الذين يستعملون اليد اليسرى. أما إذا كان كلا الوالدين من أهل اليسار فإن نسبة ممن يماثلهم من الأولاد تصل إلى %46. غير أن هناك 2 من أبناء الأسوياء من أهل اليمين يستعملون اليد اليسرى أيضًا. فما هو التعليل يا ترى؟

وبملاحظة التوائم وجدوا أن نسبة 10 % العادية تزداد إلى 20 % بين التوائم المتناظرة؛ إذ ليس شرطًا أن يكون التوأمان متشابهين تمامًا في استعمال اليدين، وفي هذا قيل إن التوائم كالمرآة يعكس أحدهما صورة الآخر، وهكذا إذا كان أحدهما أعسر فلا بد أن يكون الآخر أيمن.

أما النظرية الحديثة التي يقتنع بها الأطباء في هذا الزمن؛ فهي نظرية المخ الأيسر التي وضع أسسها أستاذ التشريح الاسكتلندي المعروف “كنتجهام”.

ويؤكد فيها أن المخ يتركب من فصين كل واحد منهما يحكم شق الجسم المقابل، وحيث أن الفص الأيسر له السيادة في الحركة والكلام والسمع على الفص الأيمن بالتالي اليد اليمنى  هي الأكثر قوة.

أما أهل اليسار من مستعملي اليد اليسرى فلا بد أنهم قد خلقوا وقد توافرت عندهم أسباب السيادة للفص الأيمن. ولا حيلة لإنسان هذا شأنه إلا أن يستعمل يده اليسرى في تدبير شؤونه، ولا سبيل لتغيير ما خلقه الله عليه.

عدم إجبار الطفل لاستعمال اليد اليمنى

ومن هنا كانت النصيحة للآباء والمربين أن يتركوا الأمور على حالتها الطبيعية دون إجبار للطفل الأعسر أو توجيهه لاستعمال اليد الأخرى. وإلا كانت النتيجة معاناة نفسية شديدة قد تؤدي لعدم استقرار الطفل نفسيًا واجتماعيًا.

لقد ذهب بعض القدامى إلى اعتبار الطفل الأعسر إنسانًا معوقًا ناقص العقل مختل الإدراك. لكن التاريخ حافل بأسماء كثيرة من العظماء الأذكياء والعباقرة ممن كانوا يستعملون اليد اليسرى.

منهم الرسام العبقري الإيطالي “ليوناردو دافنشي”، وزميله الرسام المبدع “مايكل أنجلو” والرئيس الأمريكي “جيرالد فورد” والرئيس “هاري ترومان”.

بالإضافة إلى جمع من أشهر الممثلين يتصدرهم “شارلي شابلن” و “أوليفيا دي هافيلاند” الأمريكية والإمبراطور الروماني “طيباريوس”. ولا نظن أن أحدًا يمكنه أن يصف أحدهم بالضعف العقلي أو الغباء؛ بل ربما كانت هذه هي حجة للغربيين المعارضين لهذا الرأي. ممن ينادون بأن العسر ظاهرة من ظواهر الذكاء والعبقرية والنبوغ.

الرابط المختصر :